فصل: وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْفَصْلِ الرِّشْوَةُ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفتاوى الهندية



.الباب الثامن في أفعال القاضي وصفاته:

وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ وَيَقْضِيَ بِالْحَقِّ وَلَا يَقْضِيَ لِهَوًى يُضِلُّهُ وَلَا لِرَغْبَةٍ تُغَيِّرُهُ وَلَا لِرَهْبَةٍ تَزْجُرُهُ بَلْ يُؤْثِرُ طَاعَةَ رَبِّهِ وَيَعْمَلُ طَمَعًا فِي جَزِيلِ ثَوَابِهِ وَهَرَبًا مِنْ أَلِيمِ عَذَابِهِ فَيَتْبَعُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
الْقَاضِي هَلْ يُفْتِي؟ فِيهِ أَقَاوِيلُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالدِّيَانَاتِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْتِي لِلْخُصُومِ حَتَّى لَا يَقِفُوا عَلَى رَأْيِهِ فَيَشْتَغِلُوا بِالتَّلْبِيسِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَا إلَى الْقَاضِي فِي أَمْرٍ وَظَنَّ الْقَاضِي أَنَّهُمَا تَقَدَّمَا إلَيْهِ لِيَعْلَمَا مَا يَقْضِي بِهِ فِي ذَلِكَ أَقَامَهُمَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْأَصْلِ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِنَفْسِهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فَفِي قَوْلِهِ لِنَفْسِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ لِيَتِيمٍ، أَوْ مَيِّتٍ مَدْيُونٍ، وَلَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَنَا، وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ لَا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُسَاهِلُونَهُ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَلِّيَ لِذَلِكَ غَيْرَهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ إلَّا مِنْ صَدِيقٍ أَوْ خَلِيطٍ لَهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ فَلَا يُخَاصِمُ إلَيْهِ وَلَا يَتَّهِمُهُ أَنَّهُ يُعِينُ خَصْمًا، وَكَذَلِكَ الِاسْتِعَارَةُ، وَيُشَيِّعُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَلَكِنْ لَا يُطِيلُ مُكْثَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ الْخُصُومِ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بِشَيْءٍ مِنْ الْخُصُومَاتِ.
وَفِي السِّغْنَاقِيِّ، وَإِنَّمَا يَعُودُ الْمَرِيضَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَرِيضُ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ، أَمَّا إذَا كَانَ مِنْهُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ فَظًّا غَلِيظًا جَبَّارًا عَنِيدًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِهِ فِي عَفَافِهِ وَعَقْلِهِ وَصَلَاحِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِهِ بِالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَوُجُوهِ الْفِقْهِ، وَيَكُونَ شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَيَأْمُرُ أَعْوَانَهُ بِالرِّفْقِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَفِي الْيَنَابِيعِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ غَضْبَانُ كَذَلِكَ لَا يَقْضِي إذَا دَخَلَهُ نُعَاسٌ وَلَا يَقْضِي وَهُوَ جَائِعٌ أَوْ عَطْشَانُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَجْهُ الْقَضَاءِ بَيِّنًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ وَجْهُ الْقَضَاءِ بَيِّنًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ، وَعَنْ هَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى-: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُرِيدُ فِيهِ الْجُلُوسَ لِلْقَضَاءِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَا يَقْضِي حَالَ شَغْلِ قَلْبِهِ بِفَرَحٍ أَوْ حَاجَةٍ إلَى الْجِمَاعِ أَوْ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ شَدِيدٍ أَوْ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ كَذَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ.
وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ لِلْقَضَاءِ، وَهُوَ ضَجِرٌ أَوْ كَظِيظٌ مِنْ الطَّعَامِ فَإِنْ عَرَضَ لَهُ هَمٌّ، أَوْ غَضَبٌ، أَوْ نُعَاسٌ كَفَّ حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْهُ فَيَكُونَ جُلُوسُهُ عِنْدَ اعْتِدَالِ أَمْرِهِ وَيَجْعَلَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَفَهْمَهُ وَقَلْبَهُ إلَى الْخُصُومِ غَيْرَ مُعَجِّلٍ لَهُمْ، وَلَا يُخَوِّفُ إيَّاهُمْ فَإِنَّ الْخَوْفَ يَقْطَعُ حُجَّةَ الرَّجُلِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(فِقْهٌ حَنَفِيٌّ) وَيَخْرُجُ فِي أَحْسَنِ ثِيَابِهِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَيَقْضِي، وَهُوَ جَالِسٌ مُتَّكِئًا، أَوْ مُتَرَبِّعًا كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَلَكِنَّ الْقَضَاءَ مُسْتَوِيًا أَفْضَلُ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْقَضَاءِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ فِي طُولِ الْمَجْلِسِ وَلَكِنْ يَجْلِسُ فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ أَوْ مَا أَطَاقَ وَكَذَلِكَ الْفَقِيهُ وَالْمُفْتِي كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي شَابًّا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ شَهْوَتَهُ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ لِلْقَضَاءِ كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
وَلَا يَقْضِي وَهُوَ يَمْشِي، أَوْ يَسِيرُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَشَايِخُنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْمُفْتِي: لَا يَنْبَغِي لَهُ بِأَنْ يُفْتِيَ، وَهُوَ يَمْشِي لَكِنْ يَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ، وَإِذَا اسْتَقَرَّ فِيهِ أَفْتَى وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُفْتِيَ فِي الطَّرِيقِ إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْعُيُونِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا اخْتَصَمَ إلَيْهِ الْإِخْوَةُ أَوْ بَنُو الْعَمِّ أَنْ لَا يَعْجَلَ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ وَيُدَافِعَهُمْ قَلِيلًا لَعَلَّهُمْ يَصْطَلِحُونَ.
وَفِي الْكُبْرَى، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَقَارِبِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إذَا وَقَعَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.

.الباب التاسع في رزق القاضي وهديته ودعوته وما يتصل بذلك:

إنْ كَانَ الْقَاضِي فَقِيرًا مُحْتَاجًا الْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بَلْ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَا يَأْخُذُ الرِّزْقَ إلَّا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْكُورَةِ الَّتِي يَعْمَلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِأَهْلِ هَذِهِ الْكُورَةِ فَيَكُونُ رِزْقُهُ فِي مَالِ بَيْتِ الْكُورَةِ كَذَا فِي الْعَتَّابِيَّةِ.
كَمَا تَجُوزُ كِفَايَةُ الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ تُجْعَلُ كِفَايَةُ عِيَالِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ مِنْ أَهْلِهِ وَأَعْوَانِهِ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يَأْخُذُ الرِّزْقَ فِي يَوْمِ الْعُطْلَةِ؟ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْخُذُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
الْقَاضِي إذَا كَانَ يَأْخُذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا لَا يَكُونُ عَامِلًا بِالْأَجْرِ بَلْ يَكُونُ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى- وَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى- وَكَذَا الْفُقَهَاءُ، وَالْعُلَمَاءُ، وَالْمُعَلِّمُونَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ الْقُرْآنَ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- لَمَّا اُسْتُخْلِفَ كَانَ يَأْخُذُ الرِّزْقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَا عُمَرُ وَعَلِيٌّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا-، وَأَمَّا عُثْمَانُ- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فَكَانَ صَاحِبَ ثَرْوَةٍ وَيَسَارٍ فَكَانَ يَحْتَسِبُ وَلَا يَأْخُذُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَيَنْبَغِي لِلْأَمَامِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيَالِهِ كَيْ لَا يَطْمَعَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ إلَى مَكَّةَ وَوَلَّاهُ أَمْرَهَا رَزَقَهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ عَامٍ» وَرُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْرَوْا لِأَبِي بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ لِعَلِيٍّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كُلَّ يَوْمٍ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فَرَضَ لَهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَأَمَّا أَجْرُ كُتَّابِ الْقَاضِي وَأَجْرُ قُسَّامِهِ فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُومِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَفِيهِ سَعَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَلَى هَذَا الصَّحِيفَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا دَعْوَى الْمُدَّعِينَ وَشَهَادَتُهُمْ إنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ مِنْ الْمُدَّعِي فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ وَرَأَى أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي النَّوَازِلِ قَالَ إبْرَاهِيمُ: سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- سُئِلَ عَنْ الْقَاضِي إذَا أُجْرِيَ لَهُ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا فِي أَرْزَاقِ كَاتِبِهِ وَثَمَنِ صَحِيفَتِهِ وَقَرَاطِيسِهِ، وَأَعْطَى الْكَاتِبَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَجَعَلَ عَشَرَةً لِرَجُلٍ يَقُومُ مَعَهُ وَكَلَّفَ الْخُصُومَ الصُّحُفَ أَيَسَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي سَمَّى لَهُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
الْهَدِيَّةُ مَالٌ يُعْطِيهِ وَلَا يَكُونُ مَعَهُ شَرْطٌ وَالرِّشْوَةُ مَالٌ يُعْطِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يُعِينَهُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مُحْرِمٍ، أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِمُهَادَاتِهِ لَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْقَرِيبِ، أَوْ لِمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِمُهَادَاتِهِ خُصُومَةٌ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ هَدَايَا الْقَاضِي أَنْوَاعٌ.
هَدِيَّةٌ لِمَنْ لَهُ خُصُومَةٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَ الْقَاضِي وَبَيْنَ الْمُهْدِي مُهَادَاةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ لَمْ تَكُنْ وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَهَدِيَّةٌ مِمَّنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ وَإِنَّهَا عَلَى نَوْعَيْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِسَبَبِ قَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ، إنْ لَمْ تَكُنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنْ أَهْدَاهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِمِثْلِ مَا كَانَ يُهْدِيهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَهَا فَيُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْمُبَاسَطَةِ السَّابِقَةِ بَيْنَهُمَا حَمْلًا لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّدَادِ وَالصَّلَاحِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَاهُ زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ يُهْدِيهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ الزِّيَادَةَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُهْدِي قَدْ ازْدَادَ فَبِقَدْرِ مَا ازْدَادَ مَالُهُ إذَا ازْدَادَ فِي الْهَدِيَّةِ فَلَا بَأْسَ بِقَبُولِهَا، ثُمَّ إذَا أَخَذَ الْهَدِيَّةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ بَعْضُهُمْ قَالَ: يَضَعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَعَامَّتُهُمْ قَالُوا بِأَنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا إنْ عَرَفَهُمْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مُهْدِيَهَا، أَوْ عَرَفَهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ بَعِيدًا.
حَتَّى تَعَذَّرَ الرَّدُّ عَلَيْهِ يَضَعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ اللُّقَطَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُهْدِي يَتَأَذَّى بِالرَّدِّ يَقْبَلُ وَيُعْطِيهِ مِثْلَ قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْوَالِي الَّذِي وَلَّاهُ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْخَلِيفَةِ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ كَذَا فِي الْعَتَّابِيَّةِ.
وَلَوْ أَهْدَى الرَّجُلُ إلَى وَاعِظٍ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيَخْتَصَّ بِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالْمُفْتِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَى الْخَاصَّةِ.

.(وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي دَعْوَةِ الْقَاضِي):

فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْأَصْلِ: لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ وَلَا يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُضَيِّفَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا لَا يَتَّخِذُهَا فَهِيَ خَاصَّةٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَّخِذُهَا فَهِيَ عَامَّةٌ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَمْ يَفْصِلْ فِي الدَّعْوَى الْخَاصَّةِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْقَاضِي وَبَيْنَ صَاحِبِ الدَّعْوَى مُبَاسَطَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَكَانَ يَتَّخِذُ الدَّعْوَةَ لِأَجْلِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ يُجِيبُ الدَّعْوَى الْخَاصَّةَ فِي الْمَحْرَمِ وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- لَا يُجِيبُ الدَّعْوَى الْخَاصَّةَ مِنْ الْقَرِيبِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يُجِيبُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ صَاحِبَ الدَّعْوَةِ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَّخِذُ الدَّعْوَةَ لِلْقَاضِي قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ لَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُ، الْقَرِيبُ وَالْأَجْنَبِيُّ فِيهِ سَوَاءٌ، وَإِذَا كَانَ يَتَّخِذُ الدَّعْوَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ فِي شَهْرٍ مَرَّةً وَبَعْدَ الْقَضَاءِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً فَالْقَاضِي لَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُ إلَّا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ زَادَ فِي الْبَاجَاتِ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَى مَا كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَالْقَاضِي لَا يُجِيبُ الدَّعْوَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُ صَاحِبِ الدَّعْوَى قَدْ ازْدَادَ فَبِقَدْرِ مَا ازْدَادَ مِنْ مَالِهِ ازْدَادَ فِي الْبَاجَاتِ فَالْقَاضِي يُجِيبُهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّعْوَى خُصُومَةٌ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ لِصَاحِبِ الدَّعْوَى خُصُومَةٌ لَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ.
أَوْ مُبَاسَطَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَأَمَّا الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ إنْ كَانَتْ بِدْعَةً كَدَعْوَةِ الْمُبَارَأَةِ وَنَحْوِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُحْضِرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِ الْقَاضِي إجَابَتُهَا فَالْقَاضِي أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً كَوَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَالْخِتَانِ فَإِنَّهُ يُجِيبُهَا؛ لِأَنَّهُ إجَابَةُ السُّنَّةِ وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.

.وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْفَصْلِ الرِّشْوَةُ:

وَاعْلَمْ بِأَنَّ الرِّشْوَةَ أَنْوَاعٌ:
مِنْهَا أَنْ يُهْدِيَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ مَالًا لَا لِابْتِغَاءِ التَّوَدُّدِ وَالتَّحَبُّبِ وَهَذَا النَّوْعُ حَلَالٌ مِنْ جَانِبِ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ.
وَنَوْعٌ مِنْهَا أَنْ يُهْدِيَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ مَالًا بِسَبَبِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَدْ خَوَّفَهُ فَيُهْدِي إلَيْهِ مَالًا لِيَدْفَعَ الْخَوْفَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يُهْدِي إلَى السُّلْطَانِ مَالًا لِيَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ مَالِهِ وَهَذَا نَوْعٌ لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ لِأَحَدٍ، وَإِذَا أَخَذَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَلْ يَحِلُّ لِلْمُعْطِي الْإِعْطَاءُ؟ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مَالَهُ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ، أَوْ يَجْعَلُ بَعْضَ مَالِهِ وِقَايَةً لِلْبَاقِي.
وَنَوْعٌ مِنْهَا أَنْ يُهْدِيَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ وَيُعِينُهُ فِي حَاجَتِهِ، وَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ حَاجَتُهُ حَرَامًا، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَحِلُّ لِلْمُهْدِي الْإِعْطَاءُ وَلَا لِلْمُهْدَى إلَيْهِ الْأَخْذُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ حَاجَتُهُ مُبَاحَةً وَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ إنَّمَا يُهْدِي إلَيْهِ لِيُعِينَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ الْأَخْذُ وَهَلْ يَحِلُّ لِلْمُعْطِي الْإِعْطَاءُ؟ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَحِلُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَحِلُّ، وَالْحِيلَةُ فِي الْأَخْذِ وَحِلِّ الْإِعْطَاءِ عِنْدَ الْكُلِّ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ صَاحِبُ الْحَادِثَةِ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ لِيَقُومَ بِعَمَلِهِ بِالْمَالِ الَّذِي يُرِيدُ الدَّفْعَ إلَيْهِ فَتَصِحَّ الْإِجَارَةُ وَيَسْتَحِقَّ الْأَجِيرُ الْأَجْرَ، ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اسْتَعْمَلَهُ فِي هَذَا الْعَمَلِ وَإِنْ شَاءَ اسْتَعْمَلَهُ فِي عَمَلٍ آخَرَ، قَالُوا: وَهَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا تَصِحُّ إذَا كَانَ الْعَمَلُ.
الَّذِي يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ عَمَلًا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
كَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَهَلْ يَحِلُّ لِلْمُعْطِي الْإِعْطَاءُ بِدُونِ هَذِهِ الْحِيلَةِ تَكَلَّمُوا فِيهِ قِيلَ: لَا يَحِلُّ، وَقِيلَ: يَحِلُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ هَذَا إذَا أَعْطَاهُ قَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَ أَمْرَهُ أَمَّا إذَا أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ سَوَّى أَمْرَهُ وَنَجَّاهُ عَنْ ظُلْمِهِ فَيَحِلُّ لِلْمُعْطِي الْإِعْطَاءُ، وَيَحِلُّ لِلْآخِذِ الْأَخْذُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ صَرِيحًا وَلَكِنْ إنَّمَا يُهْدِي إلَيْهِ لِيُعِينَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى-، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ صَدَاقَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ فَأَهْدَى إلَيْهِ كَمَا كَانَ يُهْدِي قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ الْمُهْدَى إلَيْهِ قَامَ لِإِصْلَاحِ أَمْرِهِ فَهَذَا أَمْرٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ مُجَازَاةُ الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ، وَمُقَابَلَةُ الْكَرَمِ بِالْكَرَمِ.
وَنَوْعٌ آخَرُ أَنْ يُهْدِيَ الرَّجُلُ إلَى سُلْطَانٍ فَيُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لَهُ، أَوْ عَمَلًا آخَرَ وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَحِلُّ لِلْآخِذِ الْأَخْذُ وَلَا لِلْمُعْطِي الْإِعْطَاءُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.

.الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي بَيَانِ مَا يَكُونُ حُكْمًا وَمَا لَا يَكُونُ وَمَا يَبْطُلُ بِهِ الْحُكْمُ بَعْدَ وُقُوعِهِ صَحِيحًا وَمَا لَا يَبْطُلُ:

قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا أَرَادَ الْحُكْمَ أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمَيْنِ: أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي التَّقْلِيدِ خَلَلٌ يَصِيرُ حُكْمًا بِتَحْكِيمِهَا، وَإِذَا قَالَ الْقَاضِي: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا كَذَا وَكَذَا؛ هَلْ يَكُونُ هَذَا حُكْمًا مِنْ الْقَاضِي؟ كَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَامِرِيُّ يُفْتِي بِأَنَّهُ حُكْمٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَاخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَكَانَ الْقَاضِي شَمْسُ الْإِسْلَامِ مَحْمُودٌ الْأُوزْجَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولَ الْقَاضِي: قَضَيْت، أَوْ يَقُولَ: حَكَمْت، أَوْ يَقُولَ: أَنَفَذْت عَلَيْك الْقَضَاءَ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ فِي وَاقِعَاتِهِ وَالْمَذْكُورُ ثَمَّةَ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا أَرَى لَك حَقًّا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَهَذَا لَا يَكُونُ حُكْمًا، وَهَكَذَا كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ يَقُولُ: إذَا ظَهَرَتْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ فِي دَعْوَى عَيْنٍ مَحْدُودَةٍ فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (أَيْنَ محدود باين مُدَّعَى ده) فَهَذَا لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْ الْقَاضِي وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: (حُكْم كردم باين محدود مراين مُدَّعَى را) وَالصَّحِيحُ قَوْلُهُ: حَكَمْت وَقَضَيْت، لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّ قَوْلَهُ: ثَبَتَ عِنْدِي؛ يَكْفِي.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: ظَهَرَ عِنْدِي، أَوْ قَالَ: صَحَّ عِنْدِي، أَوْ قَالَ: عَلِمْت، فَهَذَا كُلُّهُ حُكْمٌ.
وَإِذَا قَالَ الْقَاضِي بَعْدَمَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ: رَجَعْت عَنْ قَضَائِي أَوْ بَدَا لِي غَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ.
أَوْ قَالَ: أَبْطَلْت حُكْمِي وَفِي الْمُحِيطِ.
أَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى تَلْبِيسِ الشُّهُودِ وَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَهُ لَا يُعْتَبَرُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ وَالْقَضَاءُ مَاضٍ عَلَى حَالِهِ إذَا كَانَ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَشَهَادَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ وَعَدَالَةُ الشُّهُودِ ظَاهِرَةً.
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدٌ ادَّعَى حُرِّيَّةَ نَفْسِهِ وَقَضَى الْقَاضِي بِهَا بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْعَبْدُ ثُمَّ قَالَ الْعَبْدُ: كَذَبْت أَنَا عَبْدُ هَذَا الرَّجُلِ.
هَلْ يَبْطُلُ الْقَضَاءُ بِالْحُرِّيَّةِ؟ فَلَا رِوَايَةَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ.
قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ الْقَضَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ مَالًا وَقَضَى الْقَاضِي بِالْمَالِ لِلْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي: كُنْت كَاذِبًا فِيمَا ادَّعَيْت حَيْثُ يَبْطُلُ الْقَضَاءُ.
وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي بَعْدَ الْقَضَاءِ الْمَقْضِيِّ بِهِ: لَيْسَ مِلْكِي؛ لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَمْ يَكُنْ مِلْكِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ مِلْكِي، يَتَنَاوَلُ الْحَالَ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةٍ فِي الْمِلْكِ لِلْحَالِ انْتِفَاؤُهُ مِنْ الْأَصْلِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ مِلْكِي.
الْمَقْضِيُّ لَهُ إذَا قَالَ: مَا قُضِيَ بِهِ لِي فَهُوَ حَرَامٌ لِي، وَأَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ لَهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَهَذَا يُبْطِلُ الْحُكْمَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
لَوْ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ لَهُ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ وَالْإِرْثِ ثُمَّ قَالَ: لَمْ تَكُنْ لِي قَطُّ، أَوْ لَمْ يَقُلْ: قَطُّ؛ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ وَيَبْطُلُ الْقَضَاءُ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: هَذِهِ لَيْسَتْ مِلْكِي لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
تَكْذِيبُ الْمَشْهُودِ لَهُ الشُّهُودَ وَتَفْسِيقُهُ إيَّاهُمْ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ وَتَكْذِيبُهُ وَتَفْسِيقُهُ إيَّاهُمْ بَعْدَ الْقَضَاءِ يُبْطِلُ الْقَضَاءَ عَلَى مَا هُوَ إشَارَاتُ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ، وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: تَفْسِيقُ الْمَشْهُودِ لَهُ الشُّهُودَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُبْطِلُ الْقَضَاءَ، وَظَنَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ مُخَالِفٌ لِإِشَارَاتِ الْجَامِعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ تَفْسِيقٌ يَنْشَأُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمَشْهُودِ لَهُ وَأَنَّهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْقَضَاءِ كَمَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْقَضَاءِ، وَالْمُرَادُ مِمَّا قَالَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ نَفْسُ التَّفْسِيقِ بِأَنْ قَالَ: هُمْ زُنَاةٌ، هُمْ شَارِبُوا الْخَمْرِ، لَا تَفْسِيقٌ يَنْشَأُ مِنْ التَّكْذِيبِ، وَنَفْسُ التَّفْسِيقِ لَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ كَمَا لَا يُبْطِلُ الْقَضَاءَ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَامِعِ: وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا فَأَقَرَّ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالدَّارِ أَنَّ الدَّارَ دَارُ فُلَانٍ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ: قَدْ أَكَذَبْتَ شَاهِدَيْك حِينَ أَقْرَرْت أَنَّهَا لِفُلَانٍ لَا حَقَّ لَك فِيهَا وَأَقْرَرْتَ بِخَطَأِ الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ فَرُدَّ الدَّارَ عَلَيَّ أَوْ قِيمَتَهَا فَالْقَضَاءُ مَاضٍ عَلَى حَالِهِ وَلَا سَبِيلَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لَا عَلَى الدَّارِ وَلَا عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ.
وَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنْ قَالَ بَعْدَ الْقَضَاءِ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ وَلَمْ تَكُنْ لِي قَطُّ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ لِفُلَانٍ ثُمَّ بِالنَّفْيِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ بَدَأَ بِالنَّفْيِ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ بِالْإِقْرَارِ لِفُلَانٍ بِأَنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَمْ تَكُنْ لِي قَطُّ وَإِنَّمَا هِيَ لِفُلَانٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَرُدُّ الدَّارَ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقِرِّ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَأَمَّا إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ وَكَذَّبَهُ فِي النَّفْيِ بِأَنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: الدَّارُ كَانَتْ لِلْمُقِرِّ وَهَبَهَا لِي بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبَضْتُهَا مِنْهُ، ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الدَّارَ تُدْفَعُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
وَهَذَا الْجَوَابُ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ بِالنَّفْيِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بُطْلَانَ الْإِقْرَارِ بَعْدَ صِحَّتِهِ ظَاهِرًا وَالْمُقَرُّ لَهُ كَذَّبَهُ فِي بُطْلَانِ إقْرَارِهِ فَلَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ، وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الدَّارِ فِي هَذَا الْوَجْهِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ صَاحِبُ الدَّارِ وَقَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهَا بِسَبَبِ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا، كَمَا لَوْ انْهَدَمَتْ مُشْكِلٌ فِيمَا إذَا بَدَأَ بِالنَّفْيِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِالنَّفْيِ فَقَدْ أَكْذَبَ شُهُودَهُ فِيمَا.
شَهِدُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّ الدَّارَ مِنْ الْأَصْلِ لَهُ، وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ مِنْ الْأَصْلِ وَأَقَرَّ بِبُطْلَانِ الْقَضَاءِ وَأَنَّ الدَّارَ مِلْكٌ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَكِنَّهَا لِفُلَانٍ جُعِلَ مُقِرًّا بِمِلْكِ الْغَيْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إقْرَارُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَصْحِيحَ إقْرَارِهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَأَمْكَنَ تَصْحِيحُ إقْرَارِهِ بِتَقْدِيمِ إقْرَارِهِ عَلَى النَّفْيِ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ فَقَدَّمْنَا إقْرَارَهُ تَصْحِيحًا وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلَكِنَّهَا لِفُلَانٍ مَوْصُولًا بِالنَّفْيِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَدَّمُ الْإِقْرَارُ وَيُؤَخَّرُ تَصْحِيحًا إذَا كَانَ الْكَلَامُ بَعْضُهُ مَوْصُولًا بِالْبَعْضِ، قَالُوا مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ إذَا قَالَ: وَهَبَهَا لِي بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبَضْتهَا مِنْهُ فَهِيَ لِي بِالْهِبَةِ إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إذَا غَابَ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ حَتَّى أَمْكَنَ لِلْقَاضِي تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ الْهِبَةِ.
فَأَمَّا إذَا قَالَ هَذَا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكِذْبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ بَيْنَهُمَا هِبَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إقْرَارُ الْمُقِرِّ فِي هَذَا الْوَجْهِ، قَالُوا أَيْضًا: قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِقِيمَةِ الدَّارِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَوَّلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا قَوْلُ الْكُلِّ.
وَلَوْ قَالَ الْمَقْضِيُّ لَهُ: هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ لِي إنَّمَا هِيَ لِفُلَانٍ، فَهَذَا، وَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ لَا حَقَّ لِي فِيهَا سَوَاءٌ حَتَّى لَا يَبْطُلُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِالدَّارِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ دَارٌ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ وَأَقَامَ.
عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالدَّارِ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ وَادَّعَى أَنَّهَا دَارُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ أَبِي الْمَقْضِيِّ لَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَصَدَّقَهُ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الدَّارَ تُرَدُّ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَيَبْطُلُ الْقَضَاءُ وَيُقَالُ لِمُدَّعِي الشِّرَاءَ: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِي الْمَقْضِيِّ لَهُ وَأَنَّكَ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَضَى بِالدَّارِ لَهُ وَمَا لَا فَلَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.

.الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْعَدْوَى وَتَسْمِيرِ الْبَابِ وَالْهُجُومِ عَلَى الْخُصُومِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ:

وَإِذَا تَقَدَّمَ رَجُلٌ إلَى الْقَاضِي وَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ فَأَرَادَ الْإِعْدَاءَ عَلَى خَصْمِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُحْضِرَ خَصْمَهُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْمِصْرِ وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَجُلًا صَحِيحًا أَوْ امْرَأَةً صَحِيحَةً بَرْزَةً تُخَالِطُ الرِّجَالَ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُعَدِّيَهُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُعَدِّيهِ وَالْأَعْدَاءُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَذْهَبَ الْقَاضِي بِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَبْعَثَ مِنْ يُحْضِرُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كِلَا النَّوْعَيْنِ إلَّا أَنَّ فِي زَمَانِنَا الْقَاضِي لَا يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْمِصْرِ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَرِيضًا أَوْ امْرَأَةً مُخَدَّرَةً وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُعْهَدْ لَهَا الْخُرُوجُ فَالْقَاضِي لَا يُعَدِّيهِمَا، وَتَكَلَّمَ الْمَشَايِخُ فِي مِقْدَارِ الْمَرَضِ الَّذِي لَا يُعَدِّيهِ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ بِنَفْسِهِ وَالْمَشْيُ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَلَوْ حُمِلَ أَوْ رَكِبَ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ يَزْدَادُ مَرَضُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ بِالرُّكُوبِ وَحَمْلِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزْدَادَ مَرَضُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْفَقُ وَأَصَحُّ، ثُمَّ إذَا لَمْ يُحْضِرْهُمَا يَعْنِي: الْمَرِيضَ، وَالْمُخَدَّرَةَ مَاذَا يَصْنَعُ الْقَاضِي؟ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْذُونًا بِالِاسْتِحْلَافِ يَبْعَثُ خَلِيفَتَهُ إلَيْهِمَا فَيَقْضِي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ خُصُومِهِمَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مَأْذُونًا بِالِاسْتِخْلَافِ؛ يَبْعَثُ الْقَاضِي إلَيْهِ أَمِينًا مِنْ أُمَنَائِهِ فَقِيهًا، وَيَبْعَثُ مَعَهُ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ حَتَّى يُخْبِرَا الْقَاضِيَ بِمَا جَرَى، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَإِنَّمَا يَبْعَثُ شَاهِدَيْنِ مِمَّنْ يَعْرِفَانِ الْمَرْأَةَ وَالْمَرِيضَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا بَعَثَ الْأَمِينَ بَيَّنَ لَهُ صُورَةَ الِاسْتِحْلَافِ وَكَيْفِيَّتَهُ حَتَّى إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَّفَهُ عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الْقَاضِي، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِحْلَافِ وَلِهَذَا قَالَ: يُبَيِّنُ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ إذَا ذَهَبُوا إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْأَمِينُ يُخْبِرُهُ بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا يَحْضُرَ مَعَهُ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ بِحَضْرَةِ وَكِيلِهِ فَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ وَكِيلِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ فَالْأَمِينُ.
يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ يَأْمُرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا يَحْضُرَ مَعَ خَصْمِهِ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِحَضْرَةِ وَكِيلِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ فَالْأَمِينُ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ أَخْبَرَ الشَّاهِدَانِ الْقَاضِيَ بِذَلِكَ حَتَّى يَمْنَعَ الْمُدَّعِيَ مِنْ الدَّعْوَى إلَى أَنْ يَجِدَ بَيِّنَةً وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَمَرَهُ الْأَمِينُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا يَحْضُرَ مَعَ خَصْمِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ الشَّاهِدَيْنِ بِنُكُولِهِ وَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْمِصْرِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَارِجَ الْمِصْرِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْفَصْلِ وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ، وَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ فَيُعَدِّيهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى اسْتِحْسَانًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ الْمِصْرِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُعَدِّيهِ وَالْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ابْتَكَرَ مِنْ أَهْلِهِ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَيُجِيبَ خَصْمَهُ وَيَبِيتَ فِي مَنْزِلِهِ، فَهَذَا قَرِيبٌ فَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَبِيتَ فِي الطَّرِيقِ فَهَذَا بَعِيدٌ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
ثُمَّ إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي كَيْفَ يَصْنَعُ الْقَاضِي اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَأْمُرُ الْمُدَّعِيَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُوَافَقَةِ دَعْوَاهُ وَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا تَكُونُ لِأَجْلِ الْإِحْضَارِ، وَالْمَسْتُورُ فِي هَذَا يَكْفِي فَإِذَا أَقَامَ أَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُحْضِرَ خَصْمَهُ فَإِذَا أَحْضَرَهُ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا أَعَادَ فَظَهَرَتْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ قَضَى بِهَا عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُحَلِّفُهُ الْقَاضِي، فَإِنْ نَكَلَ أَقَامَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَإِنْ حَلَفَ أَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُحْضِرَ خَصْمَهُ؛ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُضَاةِ، كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ.
وَإِنْ أَرْسَلَ الْقَاضِي إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُحْضِرُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَالَ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي: إنَّهُ تَوَارَى عَنِّي وَسَأَلَ التَّسْمِيرَ وَالْخَتْمَ عَلَى بَابِ دَارِهِ، فَالْقَاضِي يُكَلِّفُهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ فَالْقَاضِي يَسْأَلُهُمَا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمَا؟ فَإِنْ قَالَا: رَأَيْنَاهُ فِيهِ الْيَوْمَ أَوْ أَمْسِ أَوْ مُنْذُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبِلَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَيُسَمِّرُ وَيَأْمُرُ بِالْخَتْمِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَيَجْعَلُ بَيْتَهُ عَلَيْهِ سِجْنًا وَيَسُدُّ عَلَيْهِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ حَتَّى يُضَيِّقَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ فَيَخْرُجُ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ قَدْ تَقَادَمَتْ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، ثُمَّ جَعَلَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَقَادِمًا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَإِنْ تَقَادَمَتْ رُؤْيَةُ الشَّاهِدَيْنِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يُمْكِنُ لِلْمُدَّعِي الدَّعْوَى لِتَأْخِيرِ خُرُوجِ قُرْعَتِهِ بِأَنْ كَانَ الْقَاضِي أَقْرَعَ بَيْنَ الْخُصُومِ لِيَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ نَوْبَةَ دَعْوَاهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنْ قَالَ الْخَصْمُ لِلْقَاضِي بَعْدَمَا خَتَمَ الْبَابَ وَمَضَى أَيَّامٌ إنَّهُ قَدْ جَلَسَ فِي الدَّارِ وَلَا يَحْضُرُ: فَانْصِبْ لِي عَنْهُ وَكِيلًا أُقِيمُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ يَقُولُ: الْقَاضِي يَبْعَثُ رَسُولًا يُنَادِي عَلَى بَابِهِ وَمَعَهُ شَاهِدَانِ فَيُنَادِي الرَّسُولُ عَلَى بَابِ الْخَصْمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، إنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ: احْضَرْ مَعَ خَصْمِك فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَإِلَّا نَصَبْتُ عَنْك وَكِيلًا وَقَبِلْتُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْك بِحَضْرَةِ وَكِيلِك.
فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْضُرْ نَصَبَ الْقَاضِي عَنْهُ وَكِيلًا وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَأَمْضَى الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ وَكِيلِهِ، قَالَ الْخَصَّافُ فِي.
أَدَبِ الْقَاضِي وَقَالَ غَيْرُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا أَرَى أَنْ أَنْصِبَ عَنْهُ وَكِيلًا فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ مُخَالِفًا لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُخَالِفَ، فَقِيلَ: الْمُخَالِفُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: رَأَيْت فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي الْكُبْرَى وَكَانَ هَذَا فَصْلًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْصِبُ لَهُ وَكِيلًا وَيَقْضِي بِمَحْضَرٍ مِنْ وَكِيلِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَذَا لَوْ كَتَبَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي كِتَابًا فِي حَادِثَةٍ فَلَمْ يَقْدِرْ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ عَلَى الْخَصْمِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُوَكِّلُ عَنْهُ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ سَأَلْت مُحَمَّدًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَقُولُ فِي سُلْطَانٍ لِإِنْسَانٍ قِبَلَهُ حَقٌّ وَلَا يُجِيبُهُ إلَى الْقَاضِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ يَعْمَلُ بِالْإِعْدَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ: وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي رَسُولًا إلَيْهِ مِنْ قِبَلِهِ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ: أَجِبْ خَصْمَك، يُنَادِي بِذَلِكَ أَيَّامًا فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا جَعَلَ الْقَاضِي لِذَلِكَ السُّلْطَانِ الَّذِي أَبَى أَنْ يُجِيبَ وَكِيلًا فَيُخَاصِمُ هَذَا الْمُدَّعِيَ، فَقُلْت لَهُ: فَهَلْ أَنْتَ تَجْعَلُ لَهُ وَكِيلًا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ فَقُلْت: أَفَلَا تَكُونُ قَضَيْت عَلَى الْغَائِبِ؟ فَقَالَ: لَا وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَعْمَلُ بِالْإِعْدَاءِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَأَمَّا الْهُجُومُ عَلَى الْخَصْمِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَتَوَارَى الْمَدْيُونُ فِي مَنْزِلِهِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي فَيَبْعَثُ أَمِينَيْنِ مِنْ أُمَنَائِهِ وَمَعَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْوَانِ الْقَاضِي وَمِنْ النِّسَاءِ إلَى مَنْزِلِهِ بَغْتَةً حَتَّى يَهْجُمُوا عَلَى مَنْزِلِهِ، وَيَقِفَ الْأَعْوَانُ بِالْبَابِ وَحَوْلَ الْمَنْزِلِ وَعَلَى السَّطْحِ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ الْهَرَبُ، ثُمَّ تَدْخُلُ النِّسَاءُ الْمَنْزِلَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَحِشْمَةٍ فَيَأْمُرْنَ حَرَمَ الْمَطْلُوبِ حَتَّى يَدْخُلْنَ فِي زَاوِيَةٍ ثُمَّ يَدْخُلُ أَعْوَانُ الْقَاضِي وَيُفَتِّشُونَ الدَّارَ غُرَفَهَا وَمَا تَحْتَ السُّرُرِ حَتَّى إذَا وَجَدُوهُ أَخْرَجُوهُ وَإِذَا لَمْ يَجِدُوهُ يَأْمُرُونَ النِّسَاءَ حَتَّى تُفَتِّشْنَ النِّسَاءَ فَرُبَّمَا تَزَيَّا بِزِيِّ النِّسَاءِ فَهَذَا هُوَ صُورَةُ الْهُجُومِ فَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ مِنْ الْقَاضِي هَلْ يَفْعَلُهُ الْقَاضِي؟ قَالَ صَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ: وَسَّعَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: أَرَادَ بِهِ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ قَضَائِهِ، وَقَدْ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ هَذَا أَيْضًا.
وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ هَجَمَ عَلَى بَيْتِ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا قُرَشِيٌّ وَالْآخَرُ ثَقَفِيٌّ بَلَغَهُ أَنَّ فِي بَيْتِهِمَا شَرَابًا فَوَجَدَ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَعَنْ هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: لَا بَأْسَ بِالْهُجُومِ عَلَى بَيْتِ الْمُفْسِدِينَ وَالدُّخُولِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ إذَا سُمِعَ مِنْهُ صَوْتُ فَسَادٍ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْهُجُومُ لِلْقَاضِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يُعْطِيَ الْمُدَّعِيَ طِينَةً أَوْ خَاتَمًا أَوْ قِطْعَةَ قِرْطَاسٍ لِإِحْضَارِ الْخَصْمِ جَازَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَهَذَا فِي خَارِجِ الْمِصْرِ، وَفِي الْمِصْرِ يَبْعَثُ الْأَشْخَاصَ وَقَالَ الْخَصَّافُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: عَلَى قَلْبِ هَذَا، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَالْقُضَاةُ فِي هَذَا مُخْتَلِفُونَ بَعْضُهُمْ اخْتَارَ دَفْعَ طِينَةٍ وَبَعْضُهُمْ اخْتَارَ قِطْعَةَ قِرْطَاسٍ وَبَعْضُهُمْ اخْتَارَ دَفْعَ الْخَاتَمِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ الْقَاضِي طِينَةً أَوَخَاتَمًا وَذَهَبَ بِهِ إلَى الْخَصْمِ وَأَرَاهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمِ: هَذَا خَاتَمُ الْقَاضِي فُلَانٌ يَدْعُوك أَتَعْرِفُهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ أَعْرِفُهُ، وَلَكِنْ لَا أَحْضُرُ أَشْهَدَ الْمُدَّعِي عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ حَتَّى يَشْهَدَا عِنْدَ الْقَاضِي بِتَمَرُّدِهِ، فَإِذَا شَهِدَا بِذَلِكَ بَعَثَ الْقَاضِي مَنْ يُحْضِرُهُ أَوْ يَسْتَعِينُ فِي ذَلِكَ بِالْوَالِي وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أُجْرَةِ الْمُشَخَّصِ بَعْضُهُمْ قَالَ: هِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: عَلَى الْمُتَمَرِّدِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
أَمَّا مُؤْنَةُ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ الْمُشَخَّصُ الَّذِي أَمَرَهُ الْقَاضِي بِمُلَازَمَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِإِخْرَاجِهِ، ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ إذَا حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمُدَّعِيَ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى تَمَرُّدِهِ، فَإِذَا أَعَادَ الْبَيِّنَةَ عَاقَبَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنْ التَّمَرُّدِ وَإِسَاءَةِ الْأَدَبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ قَالَ: أَحْضُرُ، ثُمَّ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَنَّهُ يُعَاقِبُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ مَا يُعَاقِبُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْدِيلُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ يَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى التَّمَرُّدِ وَالْمَسْتُورُ يَكْفِي وَهَذَا قَوْلُ الْخَصَّافِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّعْدِيلُ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا إذَا سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَا رَأَى الْخَصْمَ وَلَمْ يُجِبْ وَلَمْ يَرُدَّ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ تَعَنُّتُهُ، وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَإِذَا حَضَرَ عَزَّرَهُ بِضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ عَلَى مَا يَرَى، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ الِابْتِدَاءِ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ أَنَّهُ يَأْخُذُ طِينَةً مِنْ عِنْدِ الْأَمِيرِ لِإِحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَفِي الْفَتَاوَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي بَابِ السُّلْطَانِ وَلَا يَذْهَبَ إلَى بَابِ الْقَاضِي فَهُوَ مُطْلَقٌ فِيهِ شَرْعًا، وَلَكِنْ لَا يُفْتَى بِهِ وَبَعْضُ مَشَايِخِ زَمَانِنَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُطْلَقُ لَهُ فِي ذَلِكَ إذَا ذَهَبَ إلَى الْقَاضِي أَوَّلًا وَعَجَزَ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ جِهَتِهِ، أَمَّا لَوْ أَرَادَ الذَّهَابَ إلَى بَابِ السُّلْطَانِ أَوَّلًا لَا يُطْلَقُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَبِهِ يُفْتَى.
وَإِذَا ذَهَبَ إلَى بَابِ السُّلْطَانِ وَالْتَمَسَ جَوْبَ دَارٍ لِإِحْضَارِ خَصْمِهِ وَأَخَذَ جَوْبَ دَارٍ مِنْ خَصْمِهِ زِيَادَةً عَلَى الرَّسْمِ هَلْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَرْجِعَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُدَّعِي؟ يُنْظَرُ إنْ ذَهَبَ إلَى الْقَاضِي أَوَّلًا وَعَجَزَ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي لَا يَرْجِعُ الْخَصْمُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ إلَى الْقَاضِي أَوَّلًا يَرْجِعُ وَإِذَا كَانَ الْمَدْيُونُ يَسْكُنُ فِي دَارٍ بِأَجْرٍ وَطَالَبَهُ الْغَرِيمُ بِالْخُرُوجِ إلَى بَابِ الْحُكْمِ فَامْتَنَعَ فَالْقَاضِي هَلْ يُسَمِّرُ الْبَابَ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَمِّرُ وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَإِذَا كَانَ الْمَدْيُونُ يَسْكُنُ فِي دَارِ زَوْجَتِهِ وَأَبَى الْخُرُوجَ إلَى الْحَاكِمِ فَالْقَاضِي يُسَمِّرُ الْبَابَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ لِلْمُسَاكَنَةِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ نَقَلَ الْأَمْتِعَةَ عَنْهَا وَلَمْ يَبْقَ سَاكِنًا فِيهَا لَا يُسَمِّرُ الْبَابَ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَسُئِلَ عَنْ دَارٍ بِالشَّرِكَةِ بَيْنَ وَرَثَةٍ وَلِآخَرَ دَعْوَى عَلَى أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فَاسْتَغَاثَ الطَّالِبُ بِالسُّلْطَانِ حَتَّى سَمَّرَ الْبَابَ هَلْ لِسَائِرِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إلَى الْحَاكِمِ لِيَرْفَعَ الْمِسْمَارَ؟ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: يَرْفَعُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيرَ عَلَى بَابِ دَارٍ مُشْتَرَكٍ لِأَجْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَعْزِلٍ عَنْ الْعَدْلِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ ادَّعَى عَلَى صَبِيٍّ مَحْجُورٍ حَقًّا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَى لَا يُحْضِرُهُ الْقَاضِي، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.